الشيخ محمد رشيد رضا
308
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
به المؤمنين ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم ، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد ، وهذا منتهى الغرور وأقول : إن هذه الصفات تجتمع وتفترق ، فمن المهاجرين من ترك وطنه مختارا ولم يخرج منه إخراجا ، بل من الصحابة من هاجر مستخفيا لئلا يمنعه المشركون . ولكن قد يقال إنهم إذا لم يكونوا أمروهم بالهجرة أمرا . وأخرجوهم من ديارهم قسرا . فإنهم قد ضيقوا عليهم المسالك . حتى ألجؤهم إلى ذلك . ومنهم من أوذى ولم يخرجه المشركون ولا مكنوه من الخروج . وراجع بعض الكلام في إيذاء مشركي مكة للمسلمينفى ص 324 ج 3 تفسير ) وفي الحديث أن الهجرة دائمة لا تنقطع حتى تمنع التوبة أي إلى قبيل قيام الساعة وأما قوله « وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا » فقد قرأه حمزة بعكس الترتيب في اللفظ « وقتلوا وقاتلوا » وقالوا فيه ان الواو لا تفيد ترتيبا ولأن المراد ان الكفار كانوا هم البادئين فلما قتل من المؤمنين أناس قاتلوا الكفار . وشدد ابن كثير وابن عامر تاء « قتلوا » للمبالغه كما جاء في كلام لأستاذ الامام وقد كان المشركون يقتلون كل من قدروا على قتله من المسلمين إلا أن يكون له من يمنعه من قريب وولى . وقد راجعت بعد كتابة ما تقدم تفسير الفخر الرازي فإذا هو يقول : والمراد من قوله الذين هاجروا الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد من الذين أخرجوا من ديارهم الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج . ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لأنهم اختاروا خدمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وملازمته على الاختيار فكانوا أفضل . وقوله « وأوذوا في سبيلي » أي من أجله وسببه . وقاتلوا وقتلوا لأن المقاتلة تكون قيل القتال . قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وقاتلوا بالألف أولا وقتلوا مخففة والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا . وقرأ ابن كثير وابن عامر وقاتلوا أولا وقتلوا مشددة قيل التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله « مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ » وقيل قطعوا ، عن الحسن وقرأ حمزة والكسائي وقتلوا بغير ألف أولا وقاتلوا بالألف بعده وفيه وجوه - الأول ان الواو لا توجب الترتيب كما في قوله « وَاسْجُدِي وَارْكَعِي »